أحمد بن محمد القسطلاني
357
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الحافظ ابن حجر : وفي روايتنا بالتخفيف من وكله بكذا إذا استكفاه وصرف أمره إليه ( بالرحم ملكًا يقول ) عند وقوع النطفة التماسًا لإتمام الخلقة ، أو الدعاء بإقامة الصورة الكاملة عليها أو الاستعلام أو نحو ذلك فليس في ذلك فائدة الخبر ولا لازمة لأن الله تعالى عالم الكل فهو على نحو قوله تعالى : { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى } [ آل عمران : 36 ] قالتها تحسّرًا وتحزّنًا إلى ربها ( يا رب ) بحذف ياء المتكلم هذه ( نطفة ) قال ابن الأثير : هي الماء القليل الكثير ، والمراد بها هنا المني ، وللقابسي نطفة بالنصب على إضمار فعل أي خلقت يا رب نطفة أو صارت نطفة ( يا رب ) هذه ( علقة ) قطعة من الدم جامدة ( يا رب ) هذه ( مضغة ) قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر ما يمضع ، ويجوز نصب الاسمين عطفًا على السابق المنصوب بالفعل المقدر بين قول الملك يا رب نطفة وقوله علقة أربعون يومًا كقوله : يا رب مضغة لا في وقت واحد وإلاّ تكون النطفة علقة مضغة في ساعة واحدة ولا يخفى ما فيه ، ( فإذا أراد ) الله ( أن يقضي ) وللأصيلي فإذا أراد الله أن يقضي أي يتم ( خلقه ) أي ما في الرحم من النطفة التي صارت علقة ثم مضغة ، وهذا هو المراد بقوله : { مخلقة وغير مخلقة } وقد علم بالضرورة أنه لم يرد خلقه تكون غير مخلقة وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة ، وقد صرّح بذلك في حديث رواه الطبراني بإسناد صحيح من حديث ابن مسعود قال : إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال : يا رب مخلقة أو غير مخلقة ؟ فإن قال غير مخلقة مجها الرحم دمًا . ( قال ) الملك ( أذكر ) هو ( أم أُنثى ) أو التقدير أهو ذكر أم أنثى ؟ وسوّغ الابتداء به وإن كان نكرة لتخصيصه بثبوت أحد الأمرين إذ السؤال فيه عن التعيين ، وللأصيلي أذكر أم أنثى بتقدير أتخلق ذكرًا أم أُنثى ؟ ( شقي ) أي أعاصٍ لك هو ( أم سعيد ) مطيع وحذف أداة الاستفهام لدلالة السابق وللأصيلي شقيًّا أم سعيدًا ؟ ( فما الرزق ) أي الذي ينتفع به ؟ ( و ) ما ( الأجل ) أي وقت الموت أو مدة الحياة إلى الموت لأنه يطلق على المدة وعلى غايتها ، وفي رواية أبي ذر : وما الأجل بزيادة ما كما وقع في الشرح ( فيكتب ) على صيغة المجهول أي المذكور ، والكتابة إما حقيقة أو مجاز عن التقدير ، وللأصيلي قال : فيكتب ( في بطن أمه ) ظرف لقوله يكتب أو أن الشخص مكتوب عليه في ذلك الظرف ، وقد روي أنها تكتب على جبهته . ورواة هذا الحديث الأربعة بصريون ، وفيه التحديث والعنعنة ، وأخرجه المؤلف أيضًا في خلق آدم وفي القدر ومسلم فيه . 18 - باب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ؟ ( باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة ) ليس مراده الكيفية التي يراد بها الصفة بل بيان صحة إهلال الحائض . 319 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ . فَقَدِمْنَا مَكَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ . وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ » . قَالَتْ : فَحِضْتُ ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلاَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِحَجٍّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي ، فَبَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ . وبه قال : ( حدّثنا يحيى بن بكير ) بضم الموحدة وفتح الكاف ( قال : حدّثنا الليث ) بن سعد ( عن عقيل ) بضم العين وفتح القاف ابن خالد بن عقيل بفتح العين الأيلي ( عن ابن شهاب ) الزهري ( عن عروة ) بن الزبير بن العوام ( عن عائشة ) رضي الله عنها ( قالت ) : ( خرجنا مع النبي ) وللأصيلي رسول الله ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) من المدينة ( في حجة الوداع ) لخمس بقين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة ( فمنا من أهلَّ ) أي أحرم ( بعمرة ومنا من أهلَّ بحج ) وفي رواية أبي ذر عن المستملي بحجة ( فقدمنا مكة فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : من أحرم بعمرة ولم يهدِ ) بضم المثناة التحتية من الإهداء ( فليحلل ) بكسر اللام من الثلاثي أي قبل يوم النحر حتى يحرم بالحج ، ( ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى يحل ) بفتح المثناة وكسر الحاء والضم في لام الأولى والفتح في لام الأخرى ( بنحر هديه ) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر حتى يحل نحر هديه أي يوم العيد لكونه أدخل الحج فيصير قارنًا ولا يكون متمتعًا فلا يحل ، وأما توقفه على دخول يوم النحر مع إمكان التحلل بعد نصف ليلته فليس التحلل الكلي ، أما التحلل الكلي المبيح للجماع فهو في يوم النحر ، ( ومن أهلَّ بحج ) مفردًا ولأبي ذر وعزاها في الفتح للمستملي والحموي ومن أهلَّ بحجة ( فليتم حجه ) سواء كان معه هدي أم لا . ( قالت ) عائشة رضي الله عنها : ( فحضت ) أي بسرف ( فلم أزل حائضًا حتى كان يوم عرفة ) برفع يوم لأن كان تامة ( ولم أهلل ) بضم الهمزة وكسر اللام الأولى